ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

تقديم 22

الوشى المرقوم في حل المنظوم

أريد الغائب والحاضر والراهن والغابر ، فالحفظ إليه أسرع ، والاذان لسماعه أنشط ؛ وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلّت ، وما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون ، فلم يحفظ من المنثور عشره ولا ضاع من الموزون عشره » وتكشف بقية حديث الرّقاشى عن أن مراده بالوزن إنما هو تساوى فقرات السجع ، وبالقوافى : المحافظة على تماثل فواصله [ البيان 1 / 287 ] . وجاء في ( الإمتاع والمؤانسة ) على لسان أبى سليمان المنطقي ت 372 ه أن « العبارة تتركب بين وزن هو النظم للشعر ، وبين وزن هو سياقة الحديث » [ الإمتاع والمؤانسة للتوحيدى 2 / 138 ] . هذا التعدد في مدلولات المصطلح الواحد مما لاحظنا وقوعه بالنسبة ل ( القافية ) وبالنسبة ل ( الوزن ) نجده على نحو أوسع في مصطلح ( النظم ) ولا شك في أن أشهر معانيه هو استعماله مرادفا للشعر ، والسياقات التي ورد فيها بهذا المعنى أكثر من أن تحصى وأشهر من أن يمثل لها ، خاصة ما يجيء فيها مقابلا لمصطلح النثر الذي يدل حينئذ على كل ما ليس بشعر من أنواع الأدب . وهناك معنى ثان للنظم تطلق فيه الكلمة ويراد بها الكلام المشتمل على الوزن والقافية مع خلو العبارة من خصائص اللغة الشعرية من التصوير والتخييل وغير ذلك . نجد هذا عند الأصمعي ت 213 ه في تصريحه بأن « الشعر ما قلّ لفظه وسهل ذوق معناه ولطف ، والذي إذا سمعته ظننت أنك تناله ، فإذا حاولت وجدته بعيدا ، وما عدا ذلك فهو كلام منظوم » [ نضرة الإغريض ص 10 ] . وحكى أبو زكريا التبريزي ت 502 ه قال : « كنت أسأل المعرى [ ت 449 ه ] عن شعر أقرؤه عليه فيقول لي : هذا نظم ، فإذا مرّ به بيت جيد قال : يا أبا زكريا هذا هو الشعر » [ نضرة الإغريض ص 11 ، 12 ] . أما ابن خالدون ت 808 ه فيشترط في تعريفه للشعر جريانه على الأساليب المخصوصة به ، ويقول إن هذا « فصل له عما لم يجر منه على أساليب العرب المعروفة ، فإنه حينئذ لا يكون شعرا ، وإنما هو كلام منظوم » [ مقدمة ابن خالدون 507 ] .